حجية الحكم الجزائي على الدعوى المدنية
قبل الخوض في شرح هذه القاعدة لا بد من تعريف الحكم الجزائي حيث يقصد به القرار الصادر من محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً في خصومة رفعت اليها اليها طبقا للقانون سواء كان صادرا في موضوع الخصومة او في شق منه او في مسالة متفرعة عنه .
وقد عرف الدكتور محمود نجيب حسني الحكم الجزائي على انه اعلان القاضي عن ارادة القانون ان تتحدد في واقعة معينة نتيجة قانونية يلتزم بها اطراف الدعوى .
اما بخصوص تعريف الحجية من منظور قانوني :
يظهر هذا المصطلح امامنا عندما يكون هنالك امر سبق وان تم عرضه على القضاء وتم الفصل فيه بحكم قضائي فيحوز هذا الحكم حجية الأمر المقضي اذا ما تم عرضه مرة اخرى على القضاء , بمعنى اخر يكون هذا الحكم حجة بما فصل فيه ويعتبر مطابق للحقيقة ولا يجوز للاطراف ان يعيدوا الالتجاء الى القضاء في شأن الأمر الذي سبق الفصل فيه .
وهذا يقودنا الى قاعدة حجية الحكم الجزائي على الدعوى المدنية :
حيث تهدف هذه القاعدة الى منع تجدد الخصومة وتضارب الاحكام ولتحقيق هذا الهدف يجب الا يتم عرض نفس النزاع الصادر به حكما قضائياً مرةً اخرى على القضاء وذلك لانه سبق وان تم الفصل به .
مع الاشارة الى انه لا حجية للاحكام المدنية على القضاء الجزائي فاذا اقام شخص دعوى مدنية قبل ان تقوم النيابة العامة باقامة دعوى الحق العام ثم فصلت المحكمة المدنية في الدعوى بحكم نهائي بات وبعد ذلك اقيمت دعوى الحق العام امام المحكمة الجزائية عن نفس الجريمة التي نشأ عنها الضرر فلا يكون للحكم الصادر في الدعوى المدنية قوة الشيء المحكوم فيه امام المحكمة الجزائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها الى فاعلها .
وهذا ما اكدت عليه المادة 333 من قانون اصول المحاكمات المدنية بأنه " لا تكون للاحكام الصادرة عن المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به امام المحاكم الجزائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها الى فاعلها " .
يتبين لنا مما سبق ان قاعدة حجية الحكم الجزائي على الدعوى المدنية تعتبر استثناءَ و يشترط لكي يكون للحكم الجزائي حجية امام القضاء المدني ان يكون الحكم الجزائي قطعيا فاصلا في موضوع الدعوى الجزائية وهذا ما اكدته نصوص قانون اصول المحاكمات الجزائية الاردني في المواد التالية :
المادة 331 تنص على :
ما لم يكن هنالك نص اخر تنقضي الدعوى الجزائية بالنسبة للشخص المرفوعة عليه والوقائع المسندة فيها اليه بصدور حكم نهائي فيها بالبراءة او عدم المسؤولية او الاسقاط او بالادانة . واذا صدر حكم في موضوع الدعوى الجزائية فلا يجوز اعادة نظرها الا بالطعن في هذا الحكم بالطرق المقررة في القانون ما لم يرد نص على خلاف ذلك .
المادة 332 تنص على :
يكون للحكم الجزائي الصادر من المحكمة الجزائية في موضوع الدعوى الجزائية بالبراءة او عدم المسؤولية او بالاسقاط او بالادانة قوة الشيء المحكوم به امام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائيا وذلك فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها الى فاعلها . ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمه او على عدم كفاية الادلة ولا تكون له هذه القوة اذا كان مبنيا على ان الفعل لا يعاقب عليه القانون .
وبالتناوب فان حجية الحكم الجزائي على المدني قائمة مع اختلاف الخصوم والموضوع ولا يشترط سوى وحدة الواقعة التي قامت عليها كل من الدعويين الجزائية والمدنية, فمن الاصول المقررة ان للاحكام الجزائية مطلق الحجية بمعنى انها ملزمة للكافة لتعلقها بحريات الافراد وسلامتهم وهو امر يمس مصلحة المجتمع و إن كانت الدعوى المدنية مرفوعة على من لم يكن ممثلا في الدعوى الجزائية .
وقد اكدت محكمة التمييز الاردنية في العديد من قراراتها على هذه القاعدة ومن هذه القرارات
قرار محكمة التمييز الاردنية ( حقوق ) رقم 1654 / 2013 والذي جاء فيه ... وفي ذلك نجد ان المحكمة المدنية في دعواها عقب صدور الحكم الجزائي لا تملك حرية كاملة في التقدير والحكم اذ تجد نفسها مرتبطة بعض الشيء ومقيدة الى حد ما بما سبق ان حكمت به المحكمة الجزائية والقضاء مستقر على انه لا يجوز للمحكمة المدنية ان تغفل ما قضى به الحكم الجزائي بصورة اكيدة وضرورية من حيث وجود الواقعة الجرمية والتكييف القانوني لهذه الواقعة ووصفها القانوني ونسبتها الى فاعلها وهذا ما قررته المادة 332 من قانون اصول المحاكمات الجزائية
ويستفاد من نص هذه المادة ان القاضي الجزائي اذا ما نطق بالادانة وفرض عقوبة معينة او تدبيرا احترازيا على من نسبت اليه الجريمة فلا يملك القاضي المدني ان يطرح على بساط البحث من جديد امر وقوع هذه الجريمة ولا وصفها القانوني ولا صحة اسنادها الى المحكوم عليه ومسؤوليته عنها فكل هذه المسائل يجب التسليم بها واعتبارها امورا ثابته لا مجال للتشكيك فيها . وان كان الفقه يثير اساس حجية الشيء المحكوم فيه فينظر اليه البعض من خلال نظرية القرينة القانونية في حين ينظر اليه البعض من خلال نظرية القاعدة الموضوعية وقد اقتصر الفقه والقضاء الى اعتبار حجية الشيء المحكوم فيه قاعدة موضوعية .
مما سبق نجد بأن هذه القاعدة لها تأثير على الدعوى المدنية التي ما زالت منظورة امام القضاء وذلك من ناحية :
- اذا اقيمت الدعوى الجزائية قبل الفصل في الدعوى المدنية المنظورة امام القضاء المدني وجب وقف الفصل في الدعوى المدنية الى حين صدور حكم نهائي بالدعوى الجزائية , وهو ما يعبر عنه بقاعدة الجزائي يعقل المدني
- اما اذا صدر حكم نهائي في الدعوى الجزائية وقبل صدور حكم نهائي في الدعوى المدنية كان للحكم الجزائي حجية او قوة على الدعوى المدنية , وهو ما يعبر عنه بقاعدة حجية الحكم الجزائي على الدعوى المدنية .